الرئيسية » صحافة » مشهد سياسي مُفتت : الانقسامات داخل المجموعات العراقية الثلاث قد تُعيد تشكيل سياسة البلاد من جديد

مشهد سياسي مُفتت : الانقسامات داخل المجموعات العراقية الثلاث قد تُعيد تشكيل سياسة البلاد من جديد

تقرير : وول ستريت جورنال

تقول الحكمة التقليدية إنَّ العراق بلدٌ مُنقسم بصورةٍ صارِخة بين مكوناته الرئيسية الثلاثة: العرب الشيعة، والعرب السُنّة، والأكراد. ومع ذلك، فإنَّ هناك قوى محركةً أخرى تكتسب أهميةً أكبر حالياً. إذ تعاني كلٌ من هذه المجموعات الثلاث، شأنها في ذلك شأن المجموعات الأصغر كالأيزيديين والمسيحيين، من تنافساتٍ داخلية عميقة. ويمكن لهذه الانقسامات السياسية أن تزيد من حالة زعزعة الاستقرار في العراق. كما يمكنها أن تجمع شتاته مرةً أخرى، مُهيِّئةً بيئةً جديدة تتجاوز فيها الأجندات السياسية الولاءات الطائفية والعِرقية القوية، وفق ما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

وقال ساجد جياد، مدير مركز البيان للدراسات والتخطيط، وهو مركز أبحاث مقرّه بغداد: “لدينا الآن انقساماتٌ فيما بين الشيعة، وفيما بين السُّنّة، وفيما بين الأكراد. بالنسبة للمواطن العادي، لا يُشكِّل هذا بالضرورة شيئاً سيئاً. إذ سيساعد ذلك في تغيير الخطاب والاصطفاف الطائفي اللذين كانا سائدين حتى العام الماضي”.

الشرق الأوسط

وتكتسب مسألة الشكل الذي ستتطوَّر به الحياة السياسية العراقية بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من معقله في الموصل أهميةً كبيرة بالنسبة لباقي الشرق الأوسط. فقد تورَّط العديد من جيران العراق وحلفائه في الصراعات الطائفية والعِرقية التي شهدتها البلاد، وتردَّدت أصداؤها بعيداً خارج حدودها منذ الغزو الأميركي عام 2003.

وتُعَدُ الانتخابات البرلمانية المُقرَّر أن تجري في أبريل/نيسان 2018 إحدى الأحداث الهامة التي تلوح في الأفق، والتي ستُحدِّد كذلك مصير رئيس الوزراء حيدر العبادي. ويجعل المشهد السياسي المُفتَّت من الصعوبة بمكان تشكيل حكومةٍ قوية قادرة على تنفيذ التغييرات المتأخرة. لكن، في الوقت نفسه، هذا المشهد يمكن أن يجعل البلاد أكثر استقراراً عن طريق منع استحواذ طائفي جديد على السلطة من جانب الغالبية الشيعية، أو انفصالٍ جرى التفكير فيه طويلاً لإقليم كردستان الذي يتمتع بالحكم الذاتي شمالي العراق.

وفي داخل الطائفة الشيعية العراقية، تجري التنافسات مباشرةً داخل أكبر الأحزاب الشيعية، حزب الدعوة الإسلامية، الذي ينتمي إليه كلٌ من رئيس الوزراء العبادي، ومنافسه الرئيسي ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي. واستخدم العبادي بذكاءٍ معركة الموصل لإقامة تحالفٍ غير مُتوقَّع مع رئيس إقليم كردستان، مسعود البارزاني، ولتقديم نفسه كزعيمٍ حربي.

وفي الوقت نفسه، تواصل المالكي مع منافسي البارزاني في كردستان، ومع الرئيس السُنّي للبرلمان بعدما نجح في تقديمٍ اقتراحٍ بسحب الثقة من وزير الدفاع (السُنّي) ووزير المالية (الكردي) العام الماضي. ونظَّمت قوةٌ شيعية ثالثة، يقودها رجل الدين مقتدى الصدر، احتجاجاتٍ ضخمة العام الماضي، وادَّعت أنَّها تُمثِّل إرادة الشعب، في حين كانت تدعم العبادي ضمنياً.

وقال أحد حلفاء المالكي البارزين، النائب الشيعي في مجلس النواب صلاح عبدالرزاق، إنَّ الوقت قد حان لتوحيد مُمثِّلي المجموعات السُكانية الرئيسية الثلاث في العراق خلف مشروعٍ وقيادةٍ سياسية واحدة. وأضاف أنَّ “طبيعة العراق الآن تتطلَّب الانتقال من الصراع الطائفي والعِرقي إلى التنافس السياسي داخل البرلمان. إنَّنا ننادي بأغلبيةٍ سياسية تُغطي مجموعةً من الكتل السياسية من كافة المُكوِّنات، السُنّة والشيعة والأكراد”.

وبغض النظر عمَّا إذا كان المالكي، بتاريخه الحافل بتهميش السُنّة والأكراد، بإمكانه أن يقود مشروعاً كهذا، فإنَّ قِلَّةً فقط تعتقد بإمكانية ظهور حركةٍ سياسية عراقية شاملة، ليس قبل الانتخابات على الأقل.

تحدّ سياسي في كردستان

وقال فؤاد حسين، رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان: “في الانتخابات، سيُصوِّت الأكراد للأكراد، وسيُصوِّت السُّنّة للسُّنّة، وسيُصوِّت الشيعة للشيعة. ولن يُصوِّت كرديٌ واحد لمُرشَّحٍ عربي، ولن يُصوِّت سُنّيٌّ واحد لمُرشَّحٍ شيعي، ولن يُصوِّت شيعي واحد لمُرشَّحٍ سُنّي. لكن بعد الانتخابات، ستكون إقامة تحالفٍ أمراً ممكناً”.

ويواجه بارزاني، الذي انتهت ولايته عام 2015، تحدّيّاً سياسياً كبيراً داخل إقليم كردستان نفسه. إذ منع حزبه، الذي يسيطر على عاصمة الإقليم أربيل، برلمان الإقليم بالقوة من تسمية خليفةٍ له، وعطَّل السلطة التشريعية بصورةٍ جوهرية. وفي الوقت الراهن، أضعف ذلك الصراع الكردي الداخلي، إلى جانب تراجع أسعار النفط العالمية، احتمالات استقلال إقليم كردستان عن العراق.

وحذَّر يوسف صادق، رئيس برلمان إقليم كردستان، الذي لم يكن قادراً على دخول أربيل منذ عام 2015، قائلاً: “إنَّنا على عتبة حربٍ أهلية أخرى هنا في إقليم كردستان. إنَّ ما نقوم به في إقليم كردستان، خاصةً ما تقوم به السلطات المسيطرة على الإقليم، هو المناقض تماماً لبناء الدولة”.

ومع تدمير معظم المناطق السُّنّية العراقية جرَّاء الحرب ضد داعش، أصبح المشهد السياسي العربي السُّنّي في البلاد أكثر تفتُّتاً. وحاولت تركيا مؤخراً توحيد هؤلاء السياسيين السُنّة عبر رعاية لقائهم في أنقرة. غير أنَّ هذا لا يساعد في حل المشكلة الأكثر تجذُّراً، إذ يُلقي الكثير من العرب السُّنّة باللائمة على قادة طائفتهم التقليديين لسماحهم لداعش بالسيطرة على مناطقهم خلال صيف 2014.

وقال غازي محمد، مالك أحد المتاجر، والذي تقع بقالته قبالة أنقاض مستشفى السلام في الموصل، الموقع الذي شهد إحدى المعارك الكبرى بين داعش والقوات العراقية: “لا أحد يُمثِّلنا. حينما جاء داعش إلى العراق ودمَّر مدننا، تخلَّى كل هؤلاء السياسيين عنّا وفرَّوا إلى أربيل. إنَّنا لا ندعم أياً منهم بعد الآن”.

واتفق معه حُميد جاسم، الوكيل العقاري بأحد أحياء الموصل الذي أطلق عليه داعش اسم مؤسِّسه أبومصعب الزرقاوي. وقال: “حين أُصوِّت، سأُصوِّت للوجوه الجديدة والشابّة. فالسياسيون السابقون لم يفعلوا شيئاً لنا”.

شاهد أيضاً

الدستور العراقي ..!

بقلم/ قاسم حول مع أن القول “الأمور تقاس بنتائجها” ولكن هذا لا ينطبق على السياسة …